الغزالي

359

مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب

صورة القتوى ، ولن تفصل بين هذه الخصوم إذا تناظرت لديك ، إلا بحزم لا يشوبه وهن ، وصدق لا يطمع فيه تكذيب ، ومضاء لا يقاربه التثبّط ، وصبر لا يغتاله جزع ، ونيّة لا يتقسّمها التضييع . اللهم اجعل عقولنا غالبة على هوانا ، ولا تذقنا ضرّا ولا هوانا ، ولا تشغلنا بدنيانا عن أحزانا ، وتجعلنا ذاكرين شاكرين لنعمتك بجاه نبيّك محمد سيدنا ومولانا صلّى اللّه عليه وسلّم والحمد للّه على ما أولانا . وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « خير دينكم الورع » « 1 » . وقال : « سيد العمل الورع » . وقال : « كن ورعا تكن أعبد الناس ، وكن قنعا تكن أشكر الناس » . وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « من لم يكن له ورع يصدّه عن معصية اللّه إذا خلا ، لم يعبأ اللّه بشيء من علمه » . قال إبراهيم بن أدهم : الزهد ثلاث مقامات : فزهد فرض وهو الكفّ عن المحارم ، وزهد سلامة وهو ترك الشبهات ، وزهد فضل وهو الزهد في الحلال . وهذا تفسير حسن . وقال ابن المبارك : الزهد إخفاء الزهد ، إذا هرب الزاهد من الناس فاطلبه ، وإذا طلب الناس فاهرب منه . وما أحسن قول القائل : إني وجدت فلا تظنّن غيره * إنّ التورّع عند هذا الدرهم فإذا قدرت عليه ثم تركته * فاعلم بأنّ تقاك تقوى المسلم وليس الزاهد من زهد في الدنيا ، وقد أعرضت عنه ، وإنّما الزاهد من أقبلت عليه فزوى عنها وجهه ، وآثر الفرار منها ، كما قال أبو تمام : إذا المرء لم يزهد وقد صبغت له * بعصفرها الدنيا فليس بزاهد وقال بعض الحكماء : ما لنا لا نزهد في الدنيا وعمرها أمد « 2 » ، وخيرها نكد ،

--> ( 1 ) الورع هو : الكف عن الحلال المباح ، أو توقي المحرمات . ( 2 ) أمد : أي أجل محدود .